النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. #1
    عضوة


    رقم العضوية: 244601

    تاريخ التسجيل
    06 - 01 - 2013
    مشاركات
    73

    افتراضي أهمية الوقت و كيفية استغلالها


    أهمية الوقت في حياة المسلم

    (مجلة «الإصلاح» - العدد 3)

    نجيب جلواح





    خلق الله تعالى الكونَ كلَّه في ستَّة أيَّام، لحكمة هو أعلم بها فقال - جلَّ شأنه -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)﴾ [ق: 38]؛ وفي ذلك إشارة للإنسان وتعليمٌ له: بأنْ يوقِّت لكلِّ أمر، ويستفيدَ منه، ولا يضيِّع الزَّمن الَّذي يمرُّ مرَّ السَّحاب، ولِشَرف الوقت وأهميَّته: أقسم الله - سبحانه - في مطالع سُوَرٍ عديدة ببعض أجزائه، في عددٍ مِن آيات كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾ [الفجر: 1، 2] وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)﴾ [الليل: 1، 2 ] وقال: ﴿وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)﴾ [الضحى: 1، 2]، وقال أيضًا: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾ [العصر: 1، 2].

    ولمَّا كان العمرُ قصيرًا، والوقتُ ثمينًا أكَّد الله تعالى على قيمته - في القرآن الكريم - فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)﴾ [الفرقان: 62]، ولقد ذكر الله تعالى لنا حال المتَحسِّرين على تضييع أوقاتهم سُدًى، فقال - حاكيًا قول المفرِّطين يوم القيامة -: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾ [الفجر: 24]، ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: 44]، فيجب على العاقل أن يتذكَّر الموت وساعة الاحتضار - حين يكون الإنسان في انقطاع مِن الدُّنيا، وإقبال على الآخرة - وعندها يتمنَّى لو مُنح مهلة من الزَّمن، ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، ولكن هيهات هيهات، فقد انتهى زمن العمل، وحان زمن الحساب والجزاء.

    إنَّ المسلم الصَّادق هو الَّذي يُعِدُّ لكلِّ شيء عدَّته، ويحسب لكلِّ أمر حسابه، ويعلم - تمام العلم - أنَّه مُحاسب على هذا الوقت، الَّذي يقضيه في دنياه - منذُ بلوغه وتكليفه - إلى أنْ يلقى ربَّه؛ فلا تمرُّ لحظةٌ من لحظات هذا الوقت إلَّا كانت له أو عليه؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ»[1].

    إنَّ أهمَّ ما يملكه العبد هو الوقت، فالعاقل هو الذي يحرص على أنْ يشغله فيما ينفعه - في الدُّنيا والآخرة - ولهذا جاء التَّنبيه عليه مِن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»[2]، يُرشد الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى أنَّ الفراغ مَغْنَم ومَكْسَب، ولكن لا يعرف قدر هذه الغنيمة إلاَّ مَن عرف غايته في الوجود، وأحسن التَّعامل مع الوقت والاستفادة منه، ولعلَّ ممَّا يحفِّز على ضرورة الاستفادة مِن الوقت: حرص المسلم أنْ يكون مِن القلَّة - التي عناها الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذا الحديث - إذْ ظاهره: أنَّ مَن يستفيد مِن الوقت هم القِلَّة مِن النَّاس، وإلاَّ فالكثير مغبون وخاسر في هذه النِّعمة بسبب تفريطه في وقته، وعدم استغلاله الاستغلال الأمثل، وقد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرِّغًا: لانشغاله بمعاشه، وقد يكون مستغنيًا، ولا يكون صحيحًا؛ فإذا اجتمعا - أي: الصِّحَّة والفراغ - وغلب عليه الكسل عن طاعة الله: فهو المغبون، أمَّا إنْ وُفِّق إلى طاعة الله: فهو المغبوط[3].

    ولقد برزت أهميَّة الوقت في حثِّ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الاستفادة منه، وعدم تركه يضيع سُدًى، إذ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَك قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»[4]، فحثَّ الإسلام على اغتنام فُرصة الفراغ - في الحياة - قبل ورود ما يُشغل مِن هرم، ومرض، وفقر؛ فالغالب أنَّ هذه الأمور تُلهي الإنسان، وتمنعه مِن الاستفادة مِن أوقاته، وتشغله عن استغلاله.

    وممَّا يدلُّ على أهميَّة الوقت في حياة المسلم، واغتنامه فرصة للاستزادة مِن العلم النَّافع والعمل الصَّالح، والاستفادة منه حتَّى في أصعب المواقف وأحلك الأحوال: حديثُ أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ»[5].

    قال ابن القيِّم - رحمه الله -: «وقت الإنسان: هو عمره - في الحقيقة -، وهو مادَّة حياته الأبديَّة في النَّعيم المقيم، ومادَّة معيشته الضَّنك في العذاب الأليم وهو يمرُّ مرَّ السَّحاب ... فما كان مِن وقت لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا مِن حياته، وإنْ عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة واللَّهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النَّوم والبطالة فموت هذا خيرٌ مِن حياته»[6].

    وقال الوزير الفقيه (يحي بن محمَّد بن هبيرة) - شيخ ابن الجوزي -:

    والوَقْتُ أَنْفَسُ ما عُنِيتَ بِحِفْظِه *** وأُراه أَسْهَل ما عليك يَضِيعُ[7]

    * واجب المسلم نحو وقته:

    لما كان للوقت كلّ هذه الأهميَّة، حتَّى إنَّه لَيُعدُّ هو الحياة، كان على المسلم واجبات نحوه، ينبغي عليه أنْ يدركها، ومِن هذه الواجبات:

    - الحرص على الاستفادة منه:

    يتعيَّن على المسلم أنْ يكون حرصه على وقته أكثر من حرص النَّاس على أموالهم، وأن يبخل بوقته أكثر من بخل الأغنياء بثرواتهم، ولا يبدِّده فيما لا ينفع، بل يستغلُّه فيما ينفعه - في دينه ودنياه - وما يعود عليه بالخير والسَّعادة.

    - تنظيم الوقت:

    على المسلم أن ينظِّم وقته تنظيمًا مُحكمًا، بحيث يرتِّب بين الواجبات والأعمال المختلفة، سواء كانت دينيَّة أو دنيويَّة، على أنْ لا يطغى بعضها على بعض، ويقدِّم الأهمَّ على المهمِّ.

    - اغتنام أوقات الفراغ:

    الفراغ نعمةٌ، يغفل عنها كثير مِن النَّاس، فمن لم يستغلَّه فيما ينفع فما أدَّى شكر نعمة الله تعالى، ولا قدَّرها حقَّ قَدْرِهَا.

    اعلم - أخي المسلم - أنَّ ما مضى مِن وقتك لا يعود ولن يرجع، ولا يمكن استبداله ولا تعويضه، فكلُّ يوم مضى، وكلُّ زمن انقضى ليس في الإمكان استعادته؛ وهذا معنى ما قاله الحسن: «يا ابن آدم، إنَّما أنت أيَّام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك».

    وقال ابن القيِّم: «إضاعة الوقت: أشدُّ مِن الموت؛ لأنَّ إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدَّار الآخرة، والموت يقطعك عن الدُّنيا وأهلها»[8].

    ها نحن على أبواب الإجازة - بما فيها مِن فراغ - لا يحسن الاستفادة منه إلاَّ مَن وهبهم الله عقلاً راجحًا، يعرفون به كيف يستغلُّون أوقاتهم فيما ينفعهم ولا يضرُّهم، ويفيد أمَّتهم ومجتمعهم، وذلك أنَّ المسلم إذا لم يستغلَّ وقته في الطَّاعة شغله الفراغ بالمعصية؛ فلابدَّ للعاقل أنْ يُشغل وقت فراغه بالخير، وإلَّا انقلبت نعمة الفراغ نقمة على صاحبها.

    فمن تتبَّع أخبار النَّاس، وتأمَّل أحوالهم، وعرف كيف يقضون أوقات إجازاتهم، وكيف يمضون أعمارهم أدرك أنَّ أكثر الخلق مضيِّعون للأوقات الثَّمينة، محرومون من نعمة استغلال الفراغ فيما ينفعهم، في العاجلة والآجلة.

    وإنَّ المرء ليعجب مِن فرح هؤلاء بمرور الأيَّام، وسرورهم بانقضائها، ناسين أنَّ كلَّ لحظة تمرُّ مِن عمرهم تقرِّبهم من القبر والدَّار الآخرة، وتباعدهم عن الدُّنيا ولذَّاتها.

    وهذه بعض النَّصائح والتَّوجيهات حول كيفية الاستفادة من الإجازة:

    1 - أنْ تستشعر قيمة الوقت، وتَعْلَم أنَّه رأس مالك؛ فإنْ ضيَّعته خسرتَ كلَّ شيء، وإنْ حافظت عليه فالنَّجاح حليفك.

    2 - أنْ تعلم أنَّ اغتنام الوقت لا يتطلَّب مالًا ولا ثروةً، إذ أنَّ مفاتيح استغلاله بيدك، فليس عليك سوى أن تشمِّر عن ساعد الجدِّ، وتبذل قُصارى جهدك في الاستفادة منه.

    3 - أنْ تعلم أنَّ بهذا الوقت حُفظت العلوم، وجُمعت السُّنَّة، وحُرِّرت المسائل، وكتبت المؤلَّفات؛ وأنَّه ما مِن عالم رُفع شأنه، وعلا صيته، وسمت مرتبته؛ إلَّا وكان استغلال الوقت مركبه، واغتنام الفراغ همُّه.

    4 - احذر مِن صحبة مُضيِّعي الأوقات، فإنَّ مصاحبة الكُسالى، ومخالطة الخاملين مهدرة لطاقات الإنسان، ومضيعة لأوقاته.

    بدأت الإجازة، وازدادت ساعات الفراغ - عند كثير مِن النَّاس - وأخذ بعضهم يطرح هذا السُّؤال: «كيف نستفيد من إجازتنا؟».

    وإجابة لهؤلاء السَّائلين، وإرشادًا لكثرة الحائرين، نقول: إنَّ مجالات استثمار الإجازة كثيرة، وللمسلم أنْ يختار منها ما هو أنسب لحاله، وأصلح لدينه ودنياه؛ ومِن هذه المجالات:

    1 - حفظ كتاب الله تعالى وتعلُّمه: وقد حثَّ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على ذلك فقال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[9].

    2 - اغتنام الوقت في طلب العلم وتحصيله، وله صور كثيرة، منها: المشاركة في الدَّورات العلميَّة، وحضور الدُّروس الَّتي تُلقى في المساجد، ومتابعتها وتقييدها والاستفادة منها؛ والاستماع إلى الأشرطة العلميَّة النَّافعة وقراءة الكتب المفيدة.

    3 - ذِكر الله تعالى؛ فليس في الأعمال شيء يسع الأوقات كلّها مثل الذِّكر، وهو مجال واسع خصب.

    4 - الإكثار مِن النَّوافل؛ وهو مجال مهمٌّ لاغتنام أوقات العمر - في طاعة الله - وعاملٌ مهمٌّ في تربية النَّفس وتزكيتها، وسبب لحصول محبَّة الله للعبد.

    5 - الدَّعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والنَّصيحة للمسلمين.

    6 - زيارة الأقارب، وصِلة الأرحام.

    * آفات تقتل الوقت:

    هناك آفات وعوائق كثيرة تضيِّع على المسلم وقته، وتكاد تذهب بعمره كلِّه إذا لم يفطن لها، ويسعى للتَّخلُّص منها؛ فمن ذلك:

    1 - الغفلة: وهي مَرض خطير، ابتلي به معظم النَّاس، وقد حذَّر القرآن مِنها أشدَّ تحذير.

    2 - التَّسويف: وهو آفة تدمِّر الوقت، و تقتل العمر؛ فإيَّاك مِن التَّسويف، فإنَّك لا تضمن أن تعيش إلى غد، واعلم أنَّ لكل يوم عمله، ولكلِّ وقت واجباته.

    نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا ممَّن طالت أعمارهم، وحسنت أعمالهم، وأنْ يرزقنا حُسن الاستفادة مِن أوقاتنا، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.





    [1] رواه التِّرمذي وأبو يعلى والطَّبراني في «الكبير» و «الصَّغير» وابن عديٍّ في «الكامل»، انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (946).

    [2] رواه البخاري عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - (6412).

    [3] «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني (11/ 234).

    [4] رواه الحاكم عن ابن عبَّاس وقال: «صحيح على شرطهما».

    [5] رواه أحمد والبخاري في «الأدب المفرد».

    [6] «الجواب الكافي» (ص212).

    [7] «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (1/ 281).

    [8] «الفوائد» (2/ 47).

    [9] رواه البخاري عن عثمان - رضي الله عنه - (5027).

  2. #2
    عضوة


    رقم العضوية: 244601

    تاريخ التسجيل
    06 - 01 - 2013
    مشاركات
    73

    افتراضي رد: أهمية الوقت و كيفية استغلالها

    محاضرة
    أهمية الوقت في حياة المسلم



    لفضيلة الشيخ
    محمد بن هادي المدخلي




    [شريط مفرغ]


    بسم الله الرحمٰن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
    ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) ﴾ [الأحزاب:70-71].
    أما بعد..
    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلّى اللهُ عليهِ وسلّم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار .
    أما بعد..
    فإني أحمد الله -جَلَّ وَعَلا- على نِعمه العظيمة والتي منها مِنّته -سُبْحَانه وَتَعَالى- علينا جميعا بهذا اللقاء في هذه الليلة (ليلة الجمعة) ليلة العاشر من شهر ربيعٍِ الثاني عام 1428؛ في هذا المسجد المبارك، أول مسجد اُسّس على التقوى (مسجد قباء بمدينة رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم-)؛ نتذاكر وإياكم فيه -في هذا اللقاء- حول ما سمعنا من موضوع ذَكَره أخونا -جزاه الله خيرا-، موضوع مهم لنا جميعا؛ ذلكم الموضوع هو حياتنا كلها؛ إنه (أهمية الوقت في حياة المسلم).
    يا عباد الله! الوقت هو الحياة التي تعيشها أنت أيها المسلم؛ ويعيشها أيضا غيرك من عباد الله -جَلَّ وَعَلا-، من عباد الله الصالحين المتعبدين له عبودية الطاعة، أو عباد الله الطالحين الذين لا يخرجون عن عبوديته -تَبَارَكَ وَتَعَالى-، عبودية القهر والمُلك والخَلق ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ﴾ [الأعراف : 54]، فالعباد عباده والخَلق خَلقه والأمر أمره –سبحانه-. فتبارك الله -سُبْحَانه وَتَعَالى وتقدّس-.
    إن هذا الموضوع، معشر الإخوان، قد اهتم به أئمة الهدى علماء الإسلام، اهتموا به غاية الاهتمام وذلك لأن الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- نوّه بشرفه وأعلى منزلته ورفع مكانته.
    إن الوقت يا عباد الله إما أن يكون عَمَارًا أو يكون دمارًا والعياذ بالله؛ فالوقت هو حياتك وأنفاسك التي تُعَدُّ عليك؛ فإما أن يكون عَمارًا في دنياك وآخرتك، وإما أن يكون دمارًا وتُعسًا وشقاءً عليك في دنياك وآخرتك -عياذًا بالله من ذلك-.
    ولأهمية الوقت فقد أشاد الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- به في كتابه، ونوّه بعلوّ قدره وعظيم شرفه ومكانته، عند من؟ عند من يعقِل من الناس، ومن يستفيد من الناس، ومن يتعظ ويعتبر من الناس. فقال -جَلَّ وَعَلا-: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان : 62]
    فالليل والنهار هما الوقت، جعلهما الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- عبرة وجعلهما عِظة، لكن لمن؟ لمن أراد أن يذكر أو أراد شُكورا لمن خلقه -سُبْحَانه وَتَعَالى-.
    فهذا الوقت شريف ومنزلته عظيمة عند الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-، ثم عند العقلاء من عباده -تَبَارَكَ وَتَعَالى- الذين يعرفون له أهميته ويعرفون له منزلته؛ فإنه عظيم عندهم لا يفرطون فيه؛ أيامه ولياليه كلها عزيزة عندهم، عامرة بذكر الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- وطاعته أو ما يعينهم على ذكر الله -جَلَّ وَعَلا- وطاعته؛ فهُم ما بين ذاكرين فيه لله وشاكرين أو محصلين ما يعينهم على ذكره -جل وعز- وحُسن شكره. فنسأل الله -جَلَّ وَعَلا- أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء.
    ولمزيد أهمية الوقت والزمن أقسم الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- بأجزاء منه، فقال -جَلَّ وَعَلا-: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]
    وقال -جَلَّ وَعَلا-: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)﴾ [الليل: 1-2]
    وقال جَلَّ وَعَلا-: ﴿وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)﴾ [الضحى: 1-2]
    فهذه كلها أجزاء من الزمن؛ كلها أجزاء من الوقت؛ كلها أجزاء من حياتك أخي المسلم؛ بل وأقسم سُبْحَانه وَتَعَالى بعد ذلك بالعصر جميعا وبالزمن كله فقال -جلّ من قائل-: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ [العصر: 1-3]
    فأقسم بالعصر وهو الدهر والأوان والزمان في أصح قولي المفسرين، كما ذهب إلى ذلك جمهورهم وفي مقدمتهم ترجمان القرآن حبر الأمة ابن عم رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وزيد بن أسلم وقتادة وجمهور المفسرين من التابعين وأتباعهم؛ واختاره ابن جرير الطبري -رحمه الله- والمحققون من علماء التفسير وغيرهم. أقسم الله بالعصر الذي هو الزمن وهو الوقت وما ذلك إلا تنويها منه بأهميته وله -سُبْحَانه وَتَعَالى- أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس لأحد من خلقه أن يُقسم إلا بالله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((مَنْ كَانَ حَالِفا فَليَحْلِف بالله أو لِيَصْمت)) ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((مَنْ حَلَف بِغَير الله فَقَد كَفَر أو أشْرَك)) ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: (( لَيسَ مِنَّا مَن حَلف بِالأمَانَة)).
    فلا يجوز لأحد أن يحلف إلا بالله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-، والله –جلّ وعز- له أن يحلف ويُقسم بما شاء من خلقه؛ وفي ذلك تنويه بهذا المحلوف به ورفع لمنزلته وبيان لعظيم مكانته؛ ومن هذه التي أقسم الله بها الوقت.
    فالوقت يا عباد الله هذه منزلته. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "أقسم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- بالعصر وهو الدهر وذلك تنويها منه -جل وعز- بفضله؛ فهو مكان لعمل العاملين ولأن الناس قد يُضيفون أخطاءهم ويضيفون مصائبهم التي تسببوا فيها إلى هذا الدهر، فالله -سُبْحَانه وَتَعَالى- قد برأ الدهر من ذلك؛ فإن الدهر هو الزمن والعصر هو الزمن الذي يعيشه الناس؛ فأعمالهم فيه إنما تُضاف إليهم والدهر هو الليل والنهار يُقلبه الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- كيف شاء، كما صح ذلك في الحديث القدسي، قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-: ((يؤذيني ابن آدم، يسُبّ الدهر وأنا الدهر))
    يؤذيني ابن آدم يسُبّ الدهر: "يا خيبة الدهر، يا سوء الدهر، يا بلاء الدهر، يا مصيبة الدهر وهكذا؛ وأنا الدهر؛ بيده -سُبْحَانه وَتَعَالى- أمر الليل والنهار، يُقلّبه كيف شاء.
    فأراد الله سبحانه أن يُبيّن منزلة هذا الزمن وهذا الوقت وأهميته، وأن السوء إلى العاملين منسوب لا إلى المعمول فيه وهو الزمان. ومن هذا المعنى أخذ الشاعر قوله:
    نعيـب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانـا
    فالزمان لا عيب فيه ولذلك تقول الخنساء -رضي الله عنها- :
    إن الزمان وما يفنى له عجب *** أبقى لنا ذنبا واستأصل الرأس
    إن الجديدان في طي اختلافهما *** لا يفسدان ولكن يفسد الناس
    فيا معشر الإخوان هذا هو الدهر وهذا هو العصر وهذا هو الوقت وهذا هو الزمن وهذه أهميته والله -سُبْحَانه وَتَعَالى- قد رفع مكانته ونوّه بذكره؛ كما سمعنا في هذه الآيات وفي غيرها آيات كثيرات وعلى المسلم أن يكون ممن مدحهم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- في قوله: ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾
    ومن هنا ننطلق معشر الإخوة.
    إن الليل والنهار سفينتان يركبهما العباد، فبين راكب فيهما بالغ بهما إلى برّ الأمان وشاطئ السلامة وبين راكب فيهما بلا عُدّة ولا استعداد يهلِك وهو راكب فيهما أو تقاذفه الأمواج إلى بر مخوف وإلى مفازات فيهلك فيها.
    الليل والنهار آيتان من آيات الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- ؛ بهما وفيهما تقوم مصالح العباد؛ فالليل سكن والنهار عمل، والله -سُبْحَانه وَتَعَالى- قد بيّن ذلك في كتابه بقوله –تعالى- : ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ [النبأ: 11]، والليل قال فيه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً ﴾ [النبأ: 10]
    ولو نظرنا في هاتين الآيتين فقط ونظرنا إلى حالنا معهما هل هو كما أراد الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-؟ لوجدنا عندنا في ذلك تقصيرا كبيرا وخللا عظيما فنسأل الله العفو والمسامحة.
    معشر الإخوان إن الليل هذه وظيفته، سكن تسكن فيه النفوس وتطمئن وتهدأ فيه العقول وترتاح فيه الأرواح فيأخذ الجسم نصيبه من الراحة ويُعطي المرءُ أهله حقهم ويأخذ منه أيضا حقا له يُقدمه بين يدي الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-؛
    وهكذا النهار، إذا هو ارتاح ليله وقسم ليله كما أراد الله –سبحانه- فإنه يصبح طيب النفس نشيطا كما جاء ذلك في الحديث الذي أخبر فيه النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أن الشيطان يعقد على قافية أحدنا ثلاث عقد، على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد؛ فإذا قام الإنسان وذكر الله –تعالى- انحلت عقدة؛ فإن هو قام وتوضأ انحلت عقدة؛ فإن هو صلى ما كُتب له وأوتر ثم قام بعد ذلك إلى صلاة الصبح أصبح طيب النفس نشيطا، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان؛ وإذا أصبح طيب النفس نشيط والآخر أصبح خبيث النفس كسلان فبالله عليكم بأي هذين الرجلين تعمر الحياة؟
    أتعمر بخبيث النفس الكسلان أم بطيب النفس النشيط؟
    إن الجواب لا شك فيه إنما تعمُر الحياة بهؤلاء الصالحين؛ من يصبحون وأنفسهم طيبة نشيطة، قد أخذت حظها من الراحة ثم قامت بعد ذلك إلى ما وجب عليها من السعي في هذه الحياة لتحصيل ما تستعين به على طاعة الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-.
    واليوم، إذا نظرنا في حالنا، وجدنا عكس ذلك. فإننا نجد عند كثير من الناس الليل أصبح معاشا والنهار أصبح سباتا؛ فعُكست آية الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- ونُكِست في ذلك الفطرة، وغُيّرت الطبيعة التي طبع الله الخلق عليها؛ فالليل إنما هو للراحة والنهار إنما هو للعمل والله -سُبْحَانه وَتَعَالى- يقول: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ الآية [الإسراء : 12]
    فإذا كانت الآية المبصرة وقت السعي والكدح والمشي في مناكب الأرض وطلب الرزق كثير من أهل هذا الزمان ينامون، فتذهب البركة وهم نائمون هذا إن ناموا أول النهار فكيف بمن ينام النهار كله أو جلّه! هذه والله مصيبة عظيمة فالله -سُبْحَانه وَتَعَالى- هنا يقول: ﴿... وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ...﴾ فكم من المُضيعين لهذا الفضل؟ الفضل بالليل والفضل بالنهار؛ كم من المضيعين له في هذا الزمان؟ ما أكثرهم. ولذلك ما جاء في آخر الآية تجد كثيرا من الناس اليوم قد نسوه ألا وهو العد فيأتي يوم التاسع يظن نفسه في اليوم الأول، ويأتي يوم 25 يظن نفسه في يوم 15. لماذا؟ لأنه ضيع النهار وضيع الليل والله -جَلَّ وَعَلا- يقول: ﴿...ولِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء : 12]
    فإذا كان المرء بهذه الصفة فلابد وأن يضيّع حسابه في الليل وفي النهار، وهذه مصيبة عظيمة فإذا أضاع الإنسان حسابه فعلى ماذا سيحاسب حين إذن؟ إذا أضاع الإنسان الحساب فعلى ماذا سيعُدّ وعلى ماذا سيحرص وعلى ماذا سيحاسب؟ لأنه غير عارف هو بالحساب أصلا. ومن أضاع الحساب لا يُعتمد عليه في عد ولا حساب. قال الله -جَلَّ وَعَلا- في الآيات الأخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[النحل : 12]
    ؛ لكن لمن؟ ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
    فالذي تذهب عليه الآيات؛ النهار وهو نائم والليل وهو قائم وقائم في سهوٍ ولهوٍ وغفلةٍ -كما سيأتي- فهذا في الحقيقة ليس من العقلاء بل هو من السفهاء لأن الله -جَلَّ وَعَلا- جعل هذه الآيات آيات للعقلاء، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ وما أقل العقلاء في هذا الزمان.
    معشر الإخوة.. إننا نرى في زماننا هذا من يحاول جاهدا بقدر استطاعته أن يتمشى مع سنن الله الكونية وأوامره الشرعية؛ فتجد الناس يهزؤون به ويسخرون منه ويجد منهم المضايقة؛ إن نام مبكرا قالوا مثل الديكة يرقد بعد المغرب فسبحان الله! و إن سهر معهم إلى الفجر هذا هو العاقل!
    يا عبد الله، لا تبع دينك؛ إياك وأن تبيع دينك مع السفهاء، احذر مُجارات الناس.
    قد كان النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها ما لم يكن في شيء من أمور الدين أو شيء من شؤون أهله يروح عنهم قليلا كما جاء ذلك في السنة الصحيحة من سهره مع أهله؛ وبوّب عليه البخاري في صحيحه (باب السمر بعد العشاء)؛ لكنه سمر معقول يا عباد الله؛ سمر اليوم غير معقول؛ ليس بسمر وإنما هو سهر.
    فالشاهد، النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأصحابه سمروا؛ لكن في مصالح العباد أو في شيء مباح؛ سمرا محدودا. ولهذا يقول شيخ شيوخنا في منظومته
    وقد نهى عن أن ينام قبلها *** كذاك أن يسمر بعد فعلها
    مالم يكن في شأن أمر ديني *** فذاك فعل الصادق الأمين
    فالسمر بعد العشاء سمرا مباحا مع ضيف، سمرا مباحا مع أهل، لوقت محدود وعارض ثم ينقلب؛ هذا لابأس به؛ أما أن يكون عادة فهذه بلية ومصيبة وهي التي أُبتلي بها الناس اليوم فأضاعوا وضيعوا كثيرا نسأل الله العافية والسلامة.
    إن مصالح العباد والبلاد لا تنتظم يا معشر الإخوان إلا بالحفاظ على الوقت وتنظيمه أعظم نظام وترتيبه أدق ترتيب. وأحيانا يقع في نفوسنا نحن -بعض طلبة العلم-؛ فإذا ما رأينا شخصا يحز بوقته على الناس ويضن بوقته على الناس إلا فيما يستطيع أن ينفق منه فيه، إذا رأيت شخصا كذلك سئمه بعض الناس وقالوا هذا متشدد وهذا منغلق وهذا جاف وهذا ما عنده معاملة حسنة. ماهي المعاملة الحسنة؟ أن يضيع الوقت!
    قيل لبعض زهاد التابعين وعبّادهم: "قف حتى اكلّمك كلمة"؛ فأشار إلى الشمس؛ قال: "إن حبستَها فعلتُ"
    يعني: لي في نهاري شغل وفي مسائي شغل؛ فالكلمة إن كانت نافعة فهذا ليس وقتها؛ ستأخذها في وقت أنت تعلمه، هذا المكان ليس مكانا له. قال: "احبس الشمس أتكلم معك".
    ذكر ذلك ابن الجوزي وغيره في تراجم هؤلاء.
    فالشاهد: يعني أنَّ لي الآن عمل؛ فإذا أضعت الوقت معك ومضى عليّ الوقت سيدخل عليّ الوقت الآخر. وخذوا مثالا نعتبر به نحن: حالنا في المدارس، وهذا مثال حسي يدل على التنظيم، حالنا في المدارس؛ هذه الحصة لها وقت؛ ستون دقيقة مثلا أو خمسون أو خمسة وأربعون دقيقة مثلا؛ إذا ما جاء الإنسان ونقص منها ألا يكون مفرّطا؟ مفرّطا؛ يستحق العقاب أو العتاب من جهته المسؤولة عنه و لا ما يستحق؟ يستحق؛ العقاب أو العتاب؛ إن كان من أهل العتاب كأول وهلة، ثانية أو نادرة عوتب؛ وإن كان متساهلا عوقب. يعاقب إما بإنذار وإنما بلفت نظر للجهات المسؤولة عنه أو بحسم من مكافآته وراتبه؛ فهل ترون مثل هذا سيعود إلى النقص؟ الغالب أنه لا يعود. فإذا كان هذا في نقص في ترتيب أمور فيما بيننا نحن الناس في جانب معين فكيف فيما بيننا وبين الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-؟ ألا يستحق المفرّط العقاب أو العتاب من الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- ؟ لا شك أنه يستحق؛ وعكسه تماما، المعتدي إذا أراد أن يدخل على حصة زميله الآخر الذي يأتي بعده، هل يُمكّن من ذلك أو يُردع؟ لا يُمكّن؛ يُردع؛ يقال: هذا وقت فلان، هذه الحصة لكذا وهذه الحصة لكذا؛ فالحدود قائمة تُحفظ بها الحقوق؛ فإذا كان هذا في هذا المثل الواضح البيّن فكيف بنا مع الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- فإن لله فرائض -كما قال أبو بكر رضي الله عنه- بالليل لا تُقبل إن أُدّيت في النهار وفرائض في النهار لا تُقبل إن أُدّيت في الليل؛ فلكل فريضة وقتها ولكل وظيفة زمانها؛ فيجب على المسلم أن يكون حريصا على هذا.
    قال النيسابوري: "لا شيء أنفس من العُمر وقد أقسم الله بالعصر دلالة وإشارة على شرفه وأن الشقاء والخسران إنما لزم الإنسان لعيب فيه؛"
    فإذا ما رأيت يا عبد الله حالك مع زمانك فاعلم أن العيب فيك وليس في زمانك؛ ولهذا نوّه النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في هذه المسألة؛ ومن تدبّرَ هذا الحديث مع ما تقدّم واستجمع فكره ولبّه - معشر الإخوان - فإنه والله سيخرج بفائدة عظيمة. ذلكم الحديث هو حديث ابن عباس في الصحيح: ((نعمتان مغبون فيهما...)) هذا الحديث الصحيح يرويه عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: (( نِعمَتَان مَغْبونٌ فيهما كَثِيرٌ مِن النَّاس: الصِّحة والفَرَاغ )).
    المريض يتمنى شيئا من الصحة فيعمل ويجتهد؛ ولكن حال بينه وبين ذلك المرض فيغبطك. أما أنت فلكونك قد تجللت بلباس الصحة وتسربلت بسربالها فإنك لن تشعر بقيمتها وإنما يشعر بقيمتها الناظر إليك؛ فإن اللابس في الغالب لا يرى جمال ثوبه ولا يراه على الحقيقة إلا الناظر إليه إذا لم يصل إلى رتبته في اللباس؛ فالمرضى هم الذين يعلمون قيمة هذه الصحة فيحسدونك عليها ويغبطونك، وأنت حينئذٍ تفرّط فيها بلا ثمن؛ تذهب عليك هدرا؛ فأنت مغبون؛ الذي ينفق السلعة بثمن بخس مغبون يبيع السلعة بثمن رخيص هذا مغبون ولاّ غير مغبون يا عباد الله؟ مغبون؛ فكيف بمن يؤدِّي سلعة من غير ما ثمن؟ يهدرها هكذا؟ لا شك أن هذا غاية في الحمق والسفه؛ وكذلك الفراغ، ما أكثر الفراغ عند كثير منا في هذا الزمان. هذا الفراغ يحسدك عليه من تزاحمت ساعاته وتراكمت أعماله فزادت عن أوقاته فيتمنى أن لو وجد فراغا يستوعب هذه الأعمال عنده؛ فحينما يرى هؤلاء الناس الذين يسرحون ويمرحون لا همّ لهم إلا إضاعة الوقت؛ بل وفوق ذلك يتبجحون بقولهم "نضيع الوقت"! إذا كلمت بعض الشباب هداهم الله أبناؤنا وبناتنا وإخواننا، تُكلم بعضهم يقول "نقتل الوقت يا شيخ!" نضيع الوقت نمضي الوقت!
    الوقت أنفس ما عنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيع
    تقتل الوقت؟ تضيع الوقت هكذا؟
    قال عبد الله بن مسعود و جاء أيضا عن عمر :"إني لأرى الرجل فأحبه ثم أنظر إليه فلا أراه في شيء من عمل الدنيا ولا من عمل الدين فأكرهه".
    هذا هو الفارغ؛ ولذلك إذا نظرت إلى الذين يقتلون أوقاتهم تجدهم لا هدف لهم ولا همّ عندهم إلا أن يحييوا كحياة الحيوانات والدليل على ذلك ما سنسمعه. ماهي حياة الحيوان أجلَّكم الله؟ هي الأكل والتمتع. إن الأكل والتمتع يا عباد الله نحن والحيوان فيه سواء؛ امتنّ الله علينا جميعا بهذه النعمة. قال الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- في سورة [النازعات]
    ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) والْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) ﴾ إلى أن قال: ﴿ مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ [النازعات : 33]، ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) والْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات : 33]
    فالمتاع هذا للإنسان وللدابة للنِّعم سواء وقال في سورة عبس أيضا: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً(25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26)فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27)وَعِنَباً وَقَضْباً (28)وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً(29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30)وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31)مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس : 25-32]
    فهذا التمتع ابن آدم والأنعام فيه سواء؛ وهذا في الحقيقة إنما هو عقلية الكفار كما قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-:﴿ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد : 12]
    فهل ترضى لنفسك يا عبد الله أن تكون كهؤلاء وبمنزلة البهائم؟
    لا، إنّ العاقل لا يرضى لنفسه ذلك وإنما يرضى لنفسه ما رضيه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- له. فالواجب عليه أن يرتفع بنفسه وأن يسمو بها فيغتنم الصحة والفراغ؛ فيغتنم الصحة في النافع من الأعمال والعبادات؛ من الأعمال التي تعمر بها دنياه والطاعات و أنواع الوظائف من العبادات التي تعمر بها أُخراه عند الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-؛
    وهكذا الفراغ عليه أن يستغله، فإن النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قد أوصاه بذلك كما جاء هذا أيضا في حديث ابن عباس المشهور ((اغتنم خمسا قبل خمس..)) فمنها قال -عليه الصلاة والسلام- ((شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك)) فبدأ بهذه الأمور الثلاثة ثم قال: ((..وفراغك قبل شغلك)) ثم ختم بالكل الذي يشمل هذه جميعا فقال: ((وحياتك قبل موتك))؛ فبدأ يا معشر الشباب بسِنّ الشباب لأهمية الشباب؛ فإن الحياة والعمر لابن آدم كالثوب الذي يلبسه، وأجمل ما في الثوب مرحلة كونه جديدا؛ فالشباب جدّة ونضارة؛ فينبغي للإنسان ألا يدنسها بالمعاصي والفسوق والفجور واللهو والغفلة. ولذلك إذا انتبه الشاب إلى هذا وحرص عليه وراقب ربه فيه ويسّر له أيضا من يأخذ بيده فإنه يكون محل إعجاب الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- به، ولهذا يَعجَب ربنا من شاب ليست له صبوة. جاء في ترجمة عبد الرحمن بن أبي حاتم الحافظ ابن الحافظ الرازي -رحمه الله- عن أبيه أبو حاتم -رحمه الله- أنه راد عليه يوم تأخر عليه عبد الرحمن، فبين هو ينتظره مع خاله أبي زرعة وجمع من أهل الحديث إذ أقبل؛ فلما رآه من بُعد حدّث من بجانبه فقال: "إن ابني عبد الرحمن هذا لا أعلم له صبوة؛ الليل معه في الحديث والنهار معه في مجالس التحديث والطلب؛ لا اعلم له صبوة" فلقد كان آية من آيات الله في الحفظ.
    فالشباب -يا معشر الشباب- مرحلة نظيفة جميلة جديدة نضرة بهية ينبغي للشاب أن يحرص عليها فلا يدنسها. وأعظم ما يدنسها به أن يجالس أهل الفجور وأن يُجالس أهل الخنا وأن يجالس أهل البطالة الذين لا يستفيد منهم. فإذا جالس هؤلاء أفسدوه -نسأل الله العافية والسلامة-.
    ولذلك ينبغي للشاب أن يختار جليسا صالحا ولوليّه أيضا أن يختار له جليسا صالحا لأن الشاب قد تمر به مرحلة يقصر فيها عن إدراك بعض الأشياء فيجب على الوالد والولي أن يُحسن إليه في هذا الباب. وليعلم كل واحد منا أن الصغير في السن لا يُدرك عواقب الأمور، فربما تكلفه بالشيء أنت وترى أنه شاب عليه؛ لكن له في ذلك منفعة ومصلحة وهو لا يعلم بها وأنت تراها وتعلمها فلا ينبغي لك أن تأخذك الرأفة به هنا فإن هذه الرأفة -كما قال السلف- رأفة كاذبة؛ هذه الرأفة كاذبة حينما تُكلفه وترى أن قد شققت عليه تأتي هذه الرأفة أحيانا فتقول أُتركه؛ فمثلا تهاون معه في الأمر بالصلاة، تهاون معه في تأديبه بالأخلاق الحسنة، فتفرط في بعض ماترى عنده من المخالفات وتسكت عنه بدعوى أن لا تنفره وأن لا تشدد عليه؛ لا هذا غير صحيح فالواجب أن تقوم بذلك خير قيام ولا يحملنّك هذا الظن الكاذب على التفريط فيقع في العاقبة السيئة فيتلف تلفا عظيما. فالشباب هو مرحلة القوة، وإذا لم يُبن الشباب فإنه لا يُمكن أن يبني؛ إذا لم يبن الشباب لا يمكن أن يبني؛ ولا بناء للشباب إلا بالعلم والإيمان والعمل الصالح.
    فإذا لم يُسلّح الشباب بهذه الثلاثة فإنهم لا يمكن أن يبنوا
    نبني كما كانت أوائلنا تبني *** ونفعـل مثلما فعلـوا
    هذا هو الواجب علينا حيال أبنائنا وحيالهم وحيال أنفسنا أن نغتنم الصحة قبل السقم؛ فإن الإنسان إذا هجم به المرض أقعده عن كثير من الطاعات؛ أقعده عن المشي إلى الجماعات وأقعده عن المشي إلى بيت الله الحرام والتنفّل بالحج والعمرة، أقعده عن حضور مجالس الذكر، أقعده عن الغزو في سبيل الله إن دعا داعي الغزو، أقعده عن السعي إلى طلب العلم، أقعده أيضا عن مجالسة الأخيار والصالحين وتغشي نواديهم، أقعده أيضا عن السعي في هذه الحياة الدنيا في كل ماهو صالح في أمر دينه ودنياه. إذا جاء السقم أقعده عن ذلك كله فيتعطل فيتأسف وإذا يتأسف لم ينفعه ذلك التأسف.
    وكذلك الفراغ على أي إنسان أن ينتهزه قبل الشغل.
    وهنا أهمس همسة في أذن أبنائنا الطلبة الذين لم يعافسوا الأزواج والأموال والضِّياع والأعمال فأقول لهم الله الله في الحرص على أوقاتكم فإن فترة الشباب أجمل ما تكون وأوسع ما تكون وأبرز ما تكون وأرغد ماتكون وأهنأ ماتكون وألين ما تكون وأقوى ما تكون؛ فيجب عليكم أن تستغلوها، فإن المرء إذا عافس الأولاد والأموال والضياع والأعمال حالت بينه وبين كثير من الأعمال التي يحب أن يأتيها؛ والدليل على ذلك ما جاء في حديث حنظلة قال: "يا رسول الله مالنا إذا كنا عندك فذكرتنا حتى إنّا كأننا لَنَرى الجنة والنار عيانًا؛ فإذا خرجنا من عندك وعافسنا الأمول والأولاد والضياع أنكرنا ذلك من قلوبنا"؛ فهذا دليل واضح على أن المعالجة لأمور الدنيا مشكلة للإنسان؛ فقال النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: ((يا حنظلة لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة ولكن ساعة وساعة))، والشاهد من هذا الحديث: أن الإشتغال بالأموال والأولاد والحروث والزروع ومختلف الأعمال هذا مما يحول بين الإنسان وبين كثير مما يتمنى؛ يعني هذه الأعمال واجبة عليه لابد أن يقوم بها، إذا لم يقم بها فسدت وما استقامت له حياته. فلابد أن يكدّ ويكدح ليحصّل معاشه ومعاش أهله ومن يعول؛ لابد أن يقوم بأمر مزرعته، لابد أن يقوم بأمر تجارته، لابد أن يقوم بأمر صناعته حتى يجني منها ما يقوم به على أهله وولده. ويتمنى في هذا الوقت أن لو حضر مجالس العلم أليس كذلك؟
    يتمنى؛ لكن هذا الشغل الواجب عليه حال بينه وبين ما يشتهي فهذا واجب مؤكد عليه هنا حال بينه وبين ما يشتهي إمّا حيلولة كاملة وإمّا جزئية؛ فإن كانت الكاملة فهذه مصيبة لا يجعل من نفسه يوما أو وقتا يتعلم ويتفقه فيه؛ وإن كانت جزئية فإنه يفوت عليه بقدر ما غاب.
    وخذوا دليلا على ذلك وهو حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- تنظرون فيه إلى المتفرغ والمشتغل في باب من أبواب الخير الا وهو العلم؛ فإنه قد صح عنه -رضي الله عنه- أنه قال: "يقولون أكثر أبا هريرة (يعني في الحديث عن النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ) وقد كنت امرء مسكينا، صحبت رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- على ملء بطني؛ فأما إخواننا المهاجرون شغلهم الصفق بالأسواق؛ وأما إخواننا الأنصار فكانت لهم أرواح يروحون فيه (يعني أعمال مزارع ونحو ذلك) وكنت امرء مسكينا فصحبت رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- على ملء بطني فحضرت وغابوا وشهدت ولم يشهدوا ولقد شهدت يوما من رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أن بسط رداءً، قال: ((من يبسط رداءه حتى أفرغ من حديثي ثم يجمعه فلا ينسى منه شيئا)) فبسطت ردائي حتى فرغ رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ثم جمعته اليّ فما نسيت شيئا سمعته من رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
    متى أسلم أبو هريرة؟ أسلم عام خيبر في السنة السادسة.
    كم قبله ممن أسلم؟ فاتوه بسنوات، أربع عشرة سنة أو 17 سنة أو 15 سنة أو 10 سنين وهو لم يصحب رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- إلا 6 سنين تقريبا؛ ولكنه كان من أحفظ الصحابة ومن أكثرهم حديثا عن سول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
    فهنا تفرغ أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- فأصبح حافظ الأمة على الإطلاق؛ أكثر الصحابة رواية عن رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ومع ذلك حرص كما ثبت ذلك أيضا في الصحيح أنه سأل النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن أسعد الناس بشفاعته -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فقال -عليه الصلاة والسلام- : ((لقد علمت ألا يسألني عن ذلك أحد أول منك لِمَا رأيت من حرصك على العلم. أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)) فشهد له النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بالحرص.
    فالشاهد يا معشر الإخوان: إن إغتنام الفراغ من أوجب الواجبات علينا وما أقبح التفريط فيه وخصوصا إذا تقدم بنا السن. يقول الشاعر:
    ما أقبح التفريط في زمن الصبا *** فكيف به والشيب في الرأس نازل
    يعني تفريط الشباب قبيح؛ لكن كيف بتفريط الشيوخ وما أكثر ذلك عندنا معشر الإخوان. ونسأل الله -جَلَّ وَعَلا- أن يمنّ علينا وعليكم وأن يتداركنا بفضله ولطفه ورحمته إنه أكرم مسؤول.
    إن المنقلب يوم القيامة عند الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-؛ الناظر إلى غيره حينما يقدمون بأعمال من صالحات الأعمال أمثال الجبال ويرى ماهو فيه من قلة الأعمال يندم؛ ولكن لات ساعة مندم، إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ندمت على التفريط في زمن البذر. هذه الدنيا هي المزرعة فالآن الكبار والصغار كلهم يعملون فيها وأعني بالصغار الشباب المكلفين، وابن آدم عمره على خمسة أحوال، هذه أطباق العمر -عمر ابن آدم- كما يقول العلماء: خمسة أطباق؛ خمسة أحوال:
    1. من الولادة إلى 15 وهو في هذه طفل وغلام مادام لم يبلغ سن الإحتلام فهو طفل وغلام إلى 15؛ هذا الطبق الأول هذه الحالة الأولى من أحوال الإنسان.
    2. الحالة الثانية من 15 إلى 35 هذه زمن الشباب هذا هو عمر الشباب.
    3. ثم من هذه إلى الخمسين، هذه مرحلة الكهولة؛
    فعندنا طفولة ثم شباب ثم كهولة
    4. ثم بعد ذلك من الخمسين إلى السبعين هذه سن الشيخوخة. كم صارت؟ أربعة أحوال.
    5. الحال الخامسة: ما بعد السبعين. فهذه سن الضعف والهرم وقد استعاذ النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بربه منها.
    هذه أحوال الأعمار، وأعمار الأمة في متوسطها ما بين الستين إلى السبعين وقليل منهم من يجاوز المئة. فإذا بلغ الإنسان إلى السبعين فهذا هو الشيخ واستوفى سن الشيخوخة. فإذا زاد ودخل في الثمانين يقولون في هذا معمّر. العلماء يقولون في من دخل في عقد الثمانين يقولون عنه معمّر. فالواجب علينا جميعا ألا نفرط وألا نسوف وألا نهمل. قال علي -رضي الله تعالى عنه- :
    ولا ترج فعل الخير يوما إلى غدٍ *** لعل غـدا يأتي وأنت فقيـد
    يمكن تموت؛ بادر بالأعمال، إغتنم العمر. ولذلك أيضا يقول - فيما هو منسوب إليه-
    إذا هبت رياحـك فاغتنمها *** فإن لكل خافقـة سكـون
    ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون*
    * يعني متى تموت.
    مادمت حي وتمشي وتستطيع فعليك أن تغتنم؛ وليعلم الإنسان أن له مع الوقت أربعة أمور يجب أن يراعيها:
    الأمر الأول: أن يعلم أن هذا الوقت شريف فليحرص على عدم إنفاذه في الخسيس. وتقدم معنا إشادة الله به وأن الله جعله خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورا؛ فلا يجوز للإنسان أن يصرف هذا العالي النفيس والغالي النفيس إلى الدون الخسيس ويكون ذلك بصرفه في معاصي الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-. هذه مصيبة عظيمة فإنك إذا أنزلت الشريف والنفيس مع الخسيس فقد تنقصته وحينئذ تستحق اللوم؛ ألا ترى أنه لا يليق بك أن تُجلس كرام الناس مع خساسهم؟ فإن فعلت ذلك فقد أهنتهم؛ فهكذا الوقت. إن الوقت ثمين فإذا أنفقته في الدون فقد أهنته وحينئذ تستحق أنت اللوم والإهانة؛ فعلى العبد أن يراقب الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- في هذا؛ وليس هذا من الكبر في شيء؛ فإن حرصك على وقتك وصرفه في النافع والترفع عمن يسيء إليك ويُذهب وقتك عليك لا يعد من الكبر في شيء أبدا؛ بل هو من الحرص الذي يجب عليك أن تكون متسلحا به.
    الأمر الثاني في باب الوقت واغتنامه: أن تسارع بفعل الخيرات فيه بقدر ما تستطيع فإنك إذا فعلت ذلك فأنت العاقل الممتثل لأمر النبي-صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وسأضرب لكم مثالا واحدا بدليل شرعي حديث نبوي عن سيد الخلق -صلوات الله وسلامه عليه- في مسارعة الأعمار بالأعمال الصالحة وأنه لا ينبغي لك أن تسوف لو كانت دقائق معلومة ومعدودة؛ جاء في المسند مسند الإمام أحمد عن النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- من حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أنه قال: (( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها فليغرسها))
    اُنظر إلى هذه الوصية، أنت الآن قرب قيام الساعة ليس بينك وبين أن تقوم الساعة إلا أن تغرس هذه الفسيلة، فسيلة النخل، فاغرسها فهذا حث من النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- إلى المبادرة بالأعمال قبل الممات وقبل نزول التلف والعطب بالأرواح حتى لا تندم، فهل بعد هذا الحث على اغتنام الوقت والمسابقة فيه واستغلاله في الطاعات والأعمال الصالحات هل بعده شيء؟ أظن ألا شيء بعده. لو كنتَ آخر الناس وما بقي بينك وبين الساعة من الزمن إلا الزمن الذي تسبق فيه بقدر ما تغرس هذه الفسيلة، وغرس الفسيل عمل صالح؛ غرس النخيل عمل صالح ينتفع به الناس فاغرسها؛ فإن استطعت اغرسها لا تقم عليك الساعة وأنت تؤخر؛ ولا يُؤخر إذا ما حاجة عرضته، فهم يقولون للتأخير أوقات
    إذا عرضت الحاجة فالفاهم يقول هذا وقتها، ما يقول عندي وقت. السفيه هو الذي يقول عندي وقت سأتمكن فيه إن شاء الله، أما العقلاء لا، يقولون التأخير له أوقات. هؤلاء السفهاء، أما العقلاء يقولون التأخير له آفات فقد تموت قبل أن يأتي عليك هذا الوقت الذي تُؤمله
    نؤمل آمالا ونرجو بلوغها *** وفي كل يوم واعظ الموت يندب
    فالعاقل عليه أن يسارع في مثل ذلك ولا يتأخر بحال من الأحوال. هذا الأمر الثاني.
    الأمر الثالث: على الإنسان أن يطوي العجز و الإعتذار به فلا يقول أنا اليوم عاجز أنا اليوم ما أتمكن. لا؛ حتى لو عجزت عليك أن تقوم بما تستطيع. أقول عليه ألا يتعلل بالعجز ولا يعتذر به؛ بل عليه أن يقوم بالأعمال التي يستطيع القيام بها فإنّ العجز لا شك له أثر في إضعاف الإنسان عن السعي والتحصيل لكثير من الأمور التي يحب تحصيلها؛ لكنه عليه ألا ينقطع فيعمل بقدر استطاعته مادام عاقلا ولو بذكر الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- فإنّ له بذلك أجرا عظيما. هذا في حق المقعد على سريره الذي لا ينقلب إلا إذا قلبه الناس، أما من كان دون ذلك فالحمد لله الأمر فيه سعة فإن النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قد أوصى ابن عمه ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- بقوله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ((استعن بالله ولا تعجزن)) فعلى العبد أن يستعين بالله وأن يسأله التوفيق والإعانة والتسديد وأن يقويه فهو ضعيف إلا إذا قواه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- ومن القوة ألا ينتظر بأمر اليوم يوم غد؛
    عليك بأمر اليوم لا تنتظر غدا *** فمن لغد من حادث بكفيــل
    بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا *** فلست في كل وقت أنت مقتدر
    فعليك أن تستغل النشاط قبل الضعف والفراغ قبل الشغل كما جاء في الحديث: ((والصحة قبل المرض والفقر قبل الغنى))؛ تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف أن يذهب هذا المال؛ أو تنتظر حتى إذا ما جاءت الحشرجة وبدأت الروح تطلع فقلت لفلان كذا وفلان كذا، لا.
    تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وترجو الغنى؛ وخير الصدقة وأفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى فإنك في هذه الحال تكون قد تغلبت على شهوة حب المال في النفس فإن ابن آدم يحب الخير وهو به ضنين ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾ [الفجر : 20]، ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً *وَ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج : 20،21]
    فيتصدق في هذه الحال يسعى في نوافل الطاعات والعبادات أما إذا فرطت نهاره لهو وليله نوم فهذه مصيبة -كما قلنا- وبلية عظيمة هذه حياة البهيمة
    نهارك يا مغرور سهو وغفلة *** وليلك نوم والردى لك لازم
    وتتعب فيما سوف تكرهه غدا *** كذلك في الدنيا تعيش البهائم
    فإذا كنت في الليل نائما وفي النهار غافلا فما عسى أن تكون؟
    الآن انعكست أيضا كما قلنا سابقا الآية؛ فإذا كنت في الليل لاهيا وفي النهار نائما فكيف ستكون حياتك يا عبد الله؟ أبدا، إن المرء السلم هو الذي يأخذ نفسه بالقوة ويأخذ نفسه بالعزم ويأخذ نفسه بالحزم ولا يركن إلى الدعة ولا يركن إلى الإعتذار والتعلل بالعجز
    الأمر الأخير الذي ينبغي للمسلم طالب الآخرة: هو أن ينظر في أمر الطاعة إلى من هو فوقه وأن ينظر في أمر الدنيا إلى من هو دونه؛ فإن هذا أدعى له في أن يجتهد في طاعة الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-
    ياغافلا والمنايا غير غافلة *** هل رد حتف إمرئ عنه تغافله
    سيأتيك الموت، ولو تغافلت وأنت تعلم؛ لكن تتغافل سيأتيك.
    الموت في كل حين ينشر الكفن *** ونحن في غفلة عما يُراد بنا
    لا تركنن إلى الدنيا وزهرتهـا *** وإن توشحت بأثوابها الحسنة
    الملك والرئيس والعظيم والسيد بينما هو بين عساكره وبينما هو في قصوره وبين بساتينه تجري من تحته أنهاره التي اجريت له؛ إذا افتلت نفسه فاخذت فقيل مات فلان بعد ذلك الصولجان؛ فجاءه الأمر وهو في غفلة وفى سهو فما نفع عنه جيشه ولا نفعت عنه عساكره ولا نفعت عنه قصوره ولا نفعت عنه مزارعه ولا بساتينه؛ فمثل هذا هو المغبون حقا -نسأل الله العافية والسلامة-
    فالشاهد أن الإنسان في باب الدين وفي باب الأعمال الصالحات عليه بالمسابقة؛ فإن العجلة مذمومة في كل شيء كما جاء في سنن أبي داود إلا في أمر الآخرة فإن الواجب على الإنسان أن يكون مسابقا كما قال الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- وسابقوا وسارعوا السابقون السابقون إلى غير ذلك من الآيات؛ ففي أعمال البر والطاعة كلها، سواء كانت عبادات بدنية أو عبادات مالية أو عبادات قولية، الواجب على المؤمن فيها أن يكون مسارعا وأن يكون مبتدئا بمن هو فوقه. قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى-: ﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ .. ﴾ [الأنعام : 90]
    وأما في الدنيا فقال النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كما صح ذلك عنه في الحديث ((انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو أعلى منكم فتزدروا نعمة ربكم عليكم)) ففي أمر الدنيا يكفي القليل، ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)). وكان ابن عمر يقول - رضي الله عنهما - :"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء". فهذا في أمر الدنيا أما في أمر الدين فقال النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لعبد الله بن عمر: ((يا عبد الله!، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) فما ترك ابن عمر قيام الليل؛ فكان لا ينام من الليل إلا قليلا.
    فالشاهد: عليك أن تقتدي بمن هو فوقك في أمور الدين؛ أما في أمور الدنيا فإنك ترضى بالقليل والطريق في ذلك أن تنظر إلى من هو أسفل منك فتجد هذا لا بيت عنده؛ عنده بيت إيجار وأنت تسخط على هذا البيت وأنت تملكه ملكا لك؛ لكنك تسخطه؛ فإذا نظرت إلى من لا يملك بيتا حمدت نعمة الله عليك. أنت لا تر هذا القوت شيئا فإذا نظرت إلى المريض الذي لا يستطيع أن يأكل و إنما يُكتفى بتجريعه الماء أو اللبن يُحقنه حقنا فإنك تحمد نعمة الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- عليك وهكذا.
    ففي أمور الدنيا أنت مأمور بالنظر إلى من هو دونك حتى لا تزدري نعمة الله عليك وأما في أمور الدين فأنت مأمور بالنظر إلى من هو فوقك حتى تكون ساعيا مشمرا جادا مجتهدا.
    إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزود*
    ندمتَ على ألا تكون كمثله *** وأنك لم ترصد كما كان أرصد
    * تزود بالأعمال الصالحة.
    فالباب -باب الدين- أنت مأمور فيه بأن تنظر لمن هو أعلى منك لأن هذا أدعى إلى نشاطك وأدعى إلى بعث روح الإقبال على الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- فيك؛
    أما في أمر الدنيا فلا، على العكس تماما يكفيك القليل الذي تبلغ به عند الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- وتسير به إليه.
    قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- :"يا أبا الحسن عظنا في الدنيا" فقال -رضي الله عنه- :"أتجوز أو أبسط؟" قالوا: "إنما تجوز" فقال: "ارتحلت الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا"
    إذا كانت الدنيا مدبرة عنك فكيف تجري إلى من لا يريدك؟ كيف تجري إلى من أدبر عنك وخلفك ورائه ظِهريا؟ والآخرة تطلبك فكيف تعطيها ظهرك؟
    إن السعيد والكريم والشريف من استقبل من يطلبه واللئيم من أعرض عن من يطلبه وإن الوضيع من تبع من لا يريده وترك من يريده؛
    فأسأل الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يهبنا وإياكم هدى وتوفيقا.
    معشر الإخوان.. إن هذا الحديث طويل والباب متشعب والكلام فيه كثير من الآيات والأحاديث والحكم والأشعار والمنثور لا يحيط به إلا الله -تَبَارَكَ وَتَعَالى- وحسبنا ما قد تقدم وأسأل الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- أن يمنحننا وإياكم جميعا الفقه في دينه والبصيرة فيه وأن يثبتنا وإياكم على الحق والهدى حتى نلقاه إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ولابأس أن نمر مرورا خفيفا على بعض هذه الأسئلة.
    الأسئلة

    وهنا أسئلة كثيرة من طلبة العلم يسألون عن ثلاثة أشياء:
    • يسألون عن كيفية تنظيم أوقاتهم ويسألون عن قضية التحصيل كيف يكون في الحفظ خاصة ويسألون أيضا عن الكتب ومن يتلقون عليهم؟.
    ج: فأما هذا كله فإن الناظم قد أوجزه بقوله:
    وما حوى الغاية في ألف سنة *** شخص فخذ من كل فن أحسنه
    بحفـظ متن جامع للراجح *** تأخذه على مفيـد الناصـح
    العمر قصير والعلم كثير؛ هذا من المسلّمات لا شك فيه؛ فإذا كان العمر قصيرا والعلم كثيرا فحين إذن عليك أن تختار الأحسن والأغلى والأثمن.
    خذ ما خف حمله وغلا ثمنه وهذا هو علم الشريعة كيف تأخذه؟ بأن تحفظ في كل فن متنا؛
    ولابد أن يكون لهذا المتن معتبرا في هذا الفن؛
    ففي الفقه: أن تحفظ في هذا المذهب كتابا معتبرا عمدة عند أهل هذا المذهب، في الحديث كذلك، في المصطلح كذلك، في النحو والعربية كذلك، في أصول الفقه كذلك، في الأدب كذلك وهكذا.
    قل ما شئت بعد ذلك في بقية العلوم لابد أن تحفظ حفظا لكتاب معتمد ثم لابد من حفظ وإذا لم يكن حفظ فإن غير المحفوظ يفر وأما المحفوظ فإنه يقر؛ ما حُفظ قرّ وما كُتب فرّ.
    يقول العلماء ما حُفظ قرّ وما كتب فرّ واحفظ فكل حافظ إمامُ
    فلابد من حفظ ولابد أن يكون المحفوظ في الفن معتَمدا عند أهل الفن بحيث لا تذهب إلى المغمور وتدع المشهور الذي قد عكف عليه العلماء وخدموه وتداولوه وحشوا عليه وانتصروا ممن اعترض عليه وصوبوا فيه وهكذا.
    ثم بعد ذلك تأخذ هذا الفن على مفيد على عالم أو على شيخ وأستاذ تستفيد منه مشهود له بالإفادة؛ إذا جلست إليه استفدت منه؛ وهذا الذي يُقال عنه إنه مفيد يُعرف إما بالشهرة وإما بتزكية العلماء له؛ فإما بالشهرة أن يُطبق خبره بين أهل العلم أن هذا الأستاذ إذا جلست عليه ستفدت منه تعرف ذلك الخاص والعام أو يشهد له العلماء المعتبرون بأن هذا قد درس علينا ونحن نعرفه ونخبره ونعلم أنه أهلا للإفادة فاستفيدوا منه.
    تأخذه على مفيد ولابد أن يكون ذلكم المعلم ناصح لأن المعلم بمنزلة الوالد كما جاء ذلك في حديث سنن أبي داود أن رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد اعلمكم)) الحديث؛
    فالمعلم مربي الروح والوالد مربي الجسد؛ ومربي الروح أعظم من مربي الجسد؛ فإن مربي الروح يدلك على الله والدار الآخرة ومربي الجسد إنما يحفظ بقائك في الدنيا؛ فوالدك يسعى إلى خدمتك وتوفير مطعمك ومشربك وملبسك ومرقدك؛ أما معلمك فيدلك على الله والدار الآخرة فلذلك كان المعلم له مكانة عظيمة في الإسلام. فهذا الذي اُوصي به.
    أما من ناحية الحفظ فأنا أوصي إخوتي وأبنائي ألا يُكثروا على أنفسهم في القدر المحفوظ ثم يستغلون الأوقات التي يكونون فيه في غاية من الإنعزال أو البعد عن الشواغل؛ ففي أواخر الليل أو في أوئل النهار بعد الفجر بعد أن يأتي بأذكاره يأتي بمحفوظه فيذاكره ثم يحفظ في مثل هذا الوقت وأحسن ما يكون للمراجعة حينما يكون عند الملالة من إمساك الكتاب وذلك حينما يأوي إلى فراشه فإنه في مثل هذا الوقت يصعب عليه أن يمسك بالكتاب؛ فعليه أن يقرأ شيئا يسيرا من محفوظه فإذا هو تعاهده بهذه الصورة قرّ ذلك المحفوظ؛ وأما المكتوب فإنه يفر نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.

    

    • وهنا أيضا سؤال يقول: كيف توجهون من يمضي غالب وقته في النوم في المسجد النبوي ويحتج لهذا بأن جوّ المدينة صعب؟
    أقول: لا، هذا كلام غير صحيح، فالمدينة مباركة وقد كانت في زمن رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يفد إليها الغرباء على أهلها والمقيمين فيها من المهاجرين والأنصار فيتعلمون ثم ينقلبون. أما مسجد النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فكانت فيه ناحية لأهل الصفة وهم أضياف الإسلام الذين لا منازل لهم ولا بيوتا لهم فينامون فيه فإذا ماجاء النهار قعدوا مع النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ومع أصحابه يتعلمون العلم؛ ما هم ينامون النهار وينامون الليل؛ هذا غير صحيح فإن أهل الصفة أضياف الإسلام فالمسجد النبوي أو غيره؛ الإنسان عليه أن يجتهد وأن يحرص على الطاعة وهذه الحجة ليست بصحيحة ولو قبلناها في الأزمان الماضية أيام التعب والنصب والحر ونحو ذلك وعدم تيسر الوسائل فإننا لن نقبلها من صاحبها أو من قائلها في هذا الزمان الذي كثر فيه الخير ولله الحمد وتيسير أسباب الراحة من كل وجه؛ فالمبردات والمكيفات والمياه الباردة والأرزاق الدارة والخيرات القارة، فنسأل الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ علينا هذه النعمة وألا يُغيرها علينا إلى نقمة؛ هذه نعمة من الله عظيمة، فإن الواجب عليك وقد وفدت إلى مدينة رسول الله -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أن تكون كالوافدين الذين وفدوا فى أيام شغف العيش وانقلبوا منها علماء وأئمة.
    فأسأل الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- أن يعينني وإياك على أنفسنا وإياك أن تخلد الى مثل هذا العذر أو تستسلم له.

    

    • وهذا هنا السؤال أيضا يقول: كيف أنظم وقتي؟
    أقول تنظيم الوقت يعود إلى حالك أنت، فإما أن تكون شابا وإما أن تكون متأهلا.
    فإن كنت شابا فأكثر وقتك الفراغ، فانظر إلى هذا الفراغ وكيف تقسمه واجعل لك برنامجا فيه من أول نهارك من بعد صلاة الفجر تبدأ بدرسك في كتاب الله بعد أداء أذكارك ثم تنطلق بعد ذلك إلى حلق القرآن أو إلى حلق الحديث أو إلى حلق الفقه والعلماء الأولون قد تكلموا على ذلك في برامجهم التي كُتبت فمن رأى أن يعود إليها فإنه سيجد في هذا خيرا كثيرا.

    




    • وهذا سؤال نختم به وهو قول القائل يقول: هناك فكرة منتشرة بين الشباب وهي أن الزواج مبكرا يضيع عليك الوقت في طلب العلم ويُشغلك عنه فهل هذا صحيح؟
    أقول الأمر فيه تفصيل؛ إن كان الإنسان ليست لديه الشهوة الجامحة التي تحده على طلب التزويج فإنه عليه حين إذن أن يتجه إلى التحصيل حتى يُحصّل منه بلغته.
    أما إن لم تكن حاله كهذه عنده الرغبة أو كانت تحيط به الفتن فإن النبي -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قد أرشد إلى ذلك بأوضح عبارة وأصرح عبارة حينما قال: (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجا)) فإذا اتقى الإنسان ربه -تَبَارَكَ وَتَعَالى- وحرص فإن الله -سُبْحَانه وَتَعَالى- سيُوفقه والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.


    تم بحمد الله
    

  3. #3
    عضوة


    رقم العضوية: 244601

    تاريخ التسجيل
    06 - 01 - 2013
    مشاركات
    73

    افتراضي رد: أهمية الوقت و كيفية استغلالها

    يمكن طويل بس وايد حلو و استانست يوم قريت و بغيتكم تستانون وياي

    يارب يفيدكم

  4. #4
    نجمة


    رقم العضوية: 215810

    تاريخ التسجيل
    20 - 12 - 2011
    الدولة
    في قلب كل من يحبني
    مشاركات
    197

    افتراضي رد: أهمية الوقت و كيفية استغلالها

    يزاج الله خير


    اللهم انى استودعتك نفسى واولادى وزوجى وأهلى ومالى واصحابى فأحفظهم فأنت خير الحافظين


    【اللهم أحفظ لي زوجي ❤ و سخره لي وأجعلني قرة عينه 】..



  5. #5
    عضوة جديدة


    رقم العضوية: 244623

    تاريخ التسجيل
    06 - 01 - 2013
    الدولة
    سمآ دبي
    مشاركات
    1

    افتراضي رد: أهمية الوقت و كيفية استغلالها

    موضوع طيب ويستحق التركيز عليه .. شكرا عزيزتي





  6. #6
    نجمة متلألئة


    رقم العضوية: 242327

    تاريخ التسجيل
    30 - 11 - 2012
    مشاركات
    424

    افتراضي رد: أهمية الوقت و كيفية استغلالها

    يزاج الله خير



    رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا




المواضيع المتشابهه

  1. الخيله و استعمالها
    بواسطة محروق صبعه في قسم : الصحة و التغذية
    مشاركات: 20
    : 2010-04-15, 23:29
  2. $$أنواع فرش المكياج و كيفية استعمالها
    بواسطة دانتي حلوتي في قسم : مكياج وعطور
    مشاركات: 1
    : 2009-08-09, 08:41

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  



Loading